عبد الله بن أحمد النسفي
324
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 26 ] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 26 ) إيمانهنّ ، ودليل على أنّ الإيمان هو التصديق دون عمل اللسان ، لأنّ العلم بالإيمان المسموع لا يختلف بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي لا تستنكفوا من نكاح الإماء فكلّكم بنو آدم ، وهو تحذير عن التّعيير بالأنساب والتفاخر بالأحساب فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ سادتهنّ ، وهو حجة لنا في أنّ لهنّ أن يباشرن العقد بأنفسهنّ لأنّه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم ، وأنّه ليس للعبد أو للأمة أن يتزوج إلا بإذن المولى وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وأدوا إليهنّ مهورهنّ بغير مطل وإضرار ، وملّاك مهورهنّ مواليهنّ فكان أداؤها إليهنّ أداء إلى الموالي لأنهنّ وما في أيديهنّ مال الموالي ، أو التقدير فآتوا « 1 » مواليهنّ فحذف المضاف مُحْصَناتٍ عفائف ، حال من المفعول في وآتوهن غَيْرَ مُسافِحاتٍ زوان علانية وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ زوان سرا والأخدان : الأخلّاء في السرّ فَإِذا أُحْصِنَّ بالتزويج ، أحصنّ كوفي غير حفص فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ زنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ أي الحرائر مِنَ الْعَذابِ من الحد يعني خمسين جلدة ، وقوله : نصف « 2 » يدلّ على أنّه الجلد « 3 » لأنّ الرجم لا يتنصف وأنّ المحصنات هنا الحرائر اللاتي لم يزوّجن ذلِكَ أي نكاح الإماء لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ لمن خاف الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة ، وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكلّ مشقة وضرر ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما هو الزنا لأنّه سبب الهلاك وَأَنْ تَصْبِرُوا في محل الرفع على الابتداء ، أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ فيه إرقاق الولد ، ولأنّها خرّاجة ولأّجة ممتهنة مبتذلة ، وذلك كلّه نقصان يرجع إلى الناكح ومهانة ، والعزة من صفات المؤمنين ، وفي الحديث : ( الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت ) « 4 » وَاللَّهُ غَفُورٌ يستر المحظور رَحِيمٌ بكشف المحذور « 5 » . 26 - يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أصله يريد اللّه أن يبيّن لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في لا أبا لك لتأكيد إضافة الأب . والمعنى يريد اللّه أن يبيّن لكم ما هو خفيّ عليكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي
--> ( 1 ) في ( ز ) وآتوا . ( 2 ) في ( ز ) نصف ما على المحصنات . ( 3 ) في ( ز ) الجلد لا الرجم . ( 4 ) رواه الثعلبي وفي سنده كلام . ( 5 ) في ( ظ ) يستر ويكشف ، وفي ( ز ) يستر ، ويكشف المحظور .